لاهاي، 30 آب/أغسطس 2025: أصدر رئيس “اللجنة الوطنية للمفقودين” حديثة التأسيس في سوريا، محمد رضا جلخي، والمديرة العامة للجنة الدولية لشؤون المفقودين، كاثرين بومبرغر، البيان المشترك التالي بمناسبة اليوم الدولي للمفقودين.
في جميع أنحاء العالم، تنضم الحكومات والمنظمات إلى عائلات المفقودين لإحياء اليوم الدولي للمفقودين. هذا العام، ولأول مرة، تحيي العائلات في سوريا هذا اليوم علناً، بدعم من الحكومة السورية.
تواجه سوريا مهمة شاقة. إذ يُحتمل أن يتجاوز عدد المفقودين جراء عقود من الصراع والقمع 150 ألف شخص، وربما أكثر من ذلك بكثير. نعلم أن المهمة صعبة، لكننا نؤمن بأنه مع الدعم السياسي والشعبي يمكن الكشف عن مصير العديد منهم. كما نعلم أن سوريا لن تتعافى من مأساتها الوطنية ما لم تتم معالجة هذه القضية.
خلال ربع القرن الماضي، طوّرت دول عديدة استراتيجيات فعالة للعثور على المفقودين والتعرف عليهم. وقد انخرط المجتمع المدني بشكل كامل لدعم برامج طويلة الأمد تعمل على أساس المشاركة الواسعة وبدعم من قوانين مخصصة.
أنشأت دول عربية وكذلك دول في أميركا اللاتينية مثل تشيلي والأرجنتين والمكسيك وكولومبيا وفي البلقان وفي آسيا مثل سريلانكا ونيبال وفيتنام، مؤسسات وطنية مختصة بالمفقودين، مزودة بالموارد الكافية للقيام بالمهام المعقدة الموكلة إليها. وفي 17 أيار/مايو 2025، تم إنشاء اللجنة الوطنية للمفقودين في سوريا بموجب مرسوم رئاسي وبدأت بالفعل عملها.
هناك عنصران أساسيان لنجاح عملية العثور على المفقودين: أن تفهم الحكومات التزاماتها، وأن تدرك عائلات المفقودين حقوقها. إن الحكومة السورية تدرك التزاماتها، وهي ملتزمة رسمياً وعلنياً بالكشف عن مصير المفقودين، مهما كانت انتماءاتهم المجتمعية أو السياسية أو الإثنية أو ظروف اختفائهم. وهي تدرك أن ذلك ليس مجرد خيار سياسي بل واجب قانوني.
في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، وخلال “منتدى باريس للسلام”، كشفت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، عن ثمانية مبادئ تشكل الركيزة الأساسية للجهود العالمية في مجال المفقودين. المبدأ الأول من “مبادئ باريس” هو أن الفشل في التحقيق الفعّال في مصير وأماكن وجود المفقودين، بما في ذلك ظروف اختفائهم، يمكن أن يشكل انتهاكاً مستمراً لحقوق الإنسان الأساسية للمفقودين وأفراد أسرهم.
وتسعى اللجنة الوطنية للمفقودين إلى ترسيخ عملها على ستة مبادئ توجيهية:
– الشفافية: عبر نشر تحديثات دورية عن التقدم والإنفاق مع الحفاظ على الخصوصية.
– المشاركة: عبر إشراك العائلات في تحديد الأولويات واتخاذ القرارات.
– الشمولية: بالبحث عن جميع المفقودين في الجمهورية العربية السورية دون تمييز.
– التكامل: بالتنسيق مع المجتمع المدني والشركاء الدوليين تحت قيادة وطنية واضحة تتجنب الازدواجية وتحمي البيانات.
– الواقعية: عبر إدارة التوقعات من خلال خطط زمنية محددة ومؤشرات قابلة للقياس.
– الصرامة المهنية: عبر تطبيق المعايير والإجراءات المعترف بها دولياً والاستثمار في بناء القدرات بشكل مستدام.
تستند التزامات الدول بإجراء تحقيقات فعّالة إلى مجموعة واسعة من الصكوك القانونية، إذ إن الحق في الحياة يعتمد على الضمان الإجرائي بأن الانتهاكات المحتملة ستخضع لتحقيق رسمي. وهذا يعني أن لعائلات المفقودين الحق في تحقيقات كاملة وفعّالة. وستعمل اللجنة الوطنية للمفقودين مع العائلات لضمان فهمها لهذا الحق وقدرتها على ممارسته. كما أن هذه المقاربة تُترجم عملياً عبر إشراك أسر الضحايا في نصف الفريق الاستشاري للجنة، في تعبير عن قناعة راسخة بأن اللجنة والعائلات فريق واحد يتشاركان المسؤولية ويصوغان القرارات معاً.
تُثقل قضية المفقودين بإرث طويل من الإخفاء القسري والإعدامات الوحشية غير الموثقة التي نفذها نظام الأسد، مما خلّف إرثاً من المقابر الجماعية والأدلة البيولوجية المتدهورة وتدمير ملفات أجهزة المخابرات التي ربما كانت تحتوي على أدلة على القتل. ويضاف إلى ذلك التحدي المتمثل في بناء قدرات وطنية متخصصة تكشف الحقيقة وتحفظ كرامة الضحايا وأسرهم.
وقد جرى بالفعل إعداد خطوات لعملية فعالة لتحديد مصير المفقودين قائمة على سيادة القانون. إذ تحتفظ منظمات سورية ودولية بمعلومات عن عشرات آلاف الحالات الفردية، وقد وضعت مقترحات تشريعية يمكن أن تدعم عملية طويلة الأمد. إن استخراج مئات المقابر الجماعية كجزء من التحقيقات القضائية والتعرف على رفات الضحايا باستخدام الحمض النووي سيفتح الطريق نحو الحقيقة والعدالة.
وفي هذا السياق، وقّعت اللجنة الوطنية للمفقودين بروتوكولاً مع وزارة الداخلية السورية لتأمين وحماية مواقع المقابر الجماعية من أي عبث حتى يمكن استخراج الرفات تحت إشراف علمي ومنهجي من اللجنة.
رغم الظروف الصعبة المماثلة، نجحت دول أخرى في تجاوز مآسيها الوطنية وبدأت عمليات كشف مصير المختفين. وقد حققت نتائج ملموسة. ونحن نؤمن أن سوريا أيضاً قادرة على النجاح في هذه المهمة الصعبة ولكن الضرورية للغاية. هذا العام، يحتفل “معهد الأشخاص المفقودين في البوسنة والهرسك” بذكرى تأسيسه العشرين. وهو أقدم مؤسسة من نوعها في العالم وله سجل من الإنجازات الملموسة. إن اللجنة الوطنية للمفقودين في سوريا هي الأحدث بين هذه المؤسسات، وستسعى، مثل نظيراتها في دول أخرى، إلى تحقيق تقدم ملموس من خلال التعاون البنّاء مع الأطراف المعنية والالتزام بحقوق العائلات وسيادة القانون.




