سوريا

تَسبَّب نظام حافظ الأسد بفقدان نحو 17000 شخص، ممّا يشمل حالات لا تزال تكتسي أهمية سياسية كبرى للدول المجاورة، كما فُقد ما لا يقل عن 130000 شخص بسبب الصراع الحالي، بمن فيهم ليس فقط السوريون وإنما مواطنون من 60 دولة أو أكثر. وثمة أيضًا سوريون فُقدوا نتيجةً للهجرة.

ومنذ بدء الصراع في آذار/مارس 2011، قُتل مئات آلاف السوريين؛ ونزح أكثر من 6.5 مليون شخص داخل البلاد، وفرّ 5.6 مليون آخرون من البلاد سعيًا إلى برّ الأمان في لبنان وتركيا والأردن والعراق وأوروبا. أمّا مَن بقي على قيد الحياة من أسر المفقودين فلا يعرف، في عدد من الظروف، ما إذا كان الشخص قد فُقد داخل سوريا أم خارجها، ولعلّ بعض الأقارب، في بعض الحالات، فُقدوا في مواقع مختلفة.

ووضْعُ استراتيجية لعملية تحديد أماكن المفقودين وتحديد هويتهم وضمان حقوق الأسر الناجين في الوصول إلى الحقيقة والعدالة والتعويضات، هو عمل يتطلّب فهمًا مشتركًا لهذه العملية من جانب المجتمع المدني وأسر المفقودين والمنظمات الدولية، فضلاً عن تعاون العديد من الدول التي تستقبل لاجئين سوريين. وسوف يقتضي ذلك أيضًا على المدى الطويل تعاون السلطات السورية.

أمّا وضع استراتيجية مستدامة فيقتضي مواصلة تطوير قاعدة بيانات آمنة مركزية ومحايدة يمكنها تخزين ومعالجة بيانات من مصادر متعددة، بما في ذلك من أسر المفقودين المقيمين داخل سوريا وخارجها، بشأن مواقع المقابر الجماعية وغيرها من المواقع السرية للأشخاص المفقودين، وبيانات متعلقة بالشخص الذي أُبلغ عن فقدانه، إضافة إلى معلومات مستقاة من شهود فيما يتعلّق بجناة محتملين.

ومسألةُ تحديد مصير الأشخاص المفقودين من خلال عملية تستند إلى سيادة القانون هي مسألةٌ تؤثّر في مصداقية الإجراءات المستقبلية الآيلة إلى التعويض عن خسارة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وضمان تعويضات محتملة لضحايا الاختفاء.

وقد طوّرت أسر المفقودين السورية ومنظمات المجتمع المدني السورية سياسات ضمن الإطار العام لسياسة اللجنة الدولية لشؤون المفقودين. وتوصّلت هذه الأسر، من خلال اجتماعات يسّرتها هذه اللجنة، إلى توافق في الآراء بشأن التدابير الرامية إلى تحديد ظروف الاختفاء، وتوضيح مصير الضحايا، وضمان المساءلة والعدالة والتعويض بالاستناد إلى حقوق الإنسان وسيادة القانون.

وعملَ برنامج اللجنة الدولية لشؤون المفقودين الخاص بسوريا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تحقيق هذه الأهداف منذ إطلاقه في العام 2016، مع التركيز على إرساء أسس لعملية تحديد مصير الأشخاص المفقودين بغضّ النظر عن الخلفية العرقية أو الدينية أو الدور الذي مورِسَ خلال الصراع.

ويعمل هذا البرنامج على تمكين أسر المفقودين ومنظمات المجتمع المدني وغيرهم من الجهات وبناء قدراتهم من أجل المشاركة في عملية تحديد مصير المفقودين؛ وعلى وضع قاعدة معرفية بشأن حقوق الضحايا والناجين؛ وتعزيز قدرة أسر المفقودين والمدنيين السوريين ومنظمات المجتمع المدني والخبراء القانونيين على معالجة مشكلة الأشخاص المفقودين؛ وتزويد أصحاب الشأن بالمعرفة التقنية والقانونية بشأن المعايير الدولية ذات الصلة، بما في ذلك المعايير المتعلقة بحماية البيانات؛ وخلق عملية قائمة على المشاركة في جمع البيانات وسط أسر المفقودين بالاستناد إلى خبرة اللجنة الدولية لشؤون المفقودين في جمع البيانات من أكثر من 100000 أسرة في جميع أنحاء العالم؛ والمساهمة في وضع استراتيجية مستقبلية للمساءلة بشأن موضوع المفقودين في سوريا؛ ومساعدة أسر المفقودين على إيجاد أرضية مشتركة بغض النظر عن الانتماء الطائفي أو الوطني أو الدور الذي أدّاه المفقودون خلال الصراع؛ والمساهمة في استعادة سيادة القانون ومصداقية العدالة الانتقالية فيما يتعلق بحالات الأشخاص المفقودين؛ ورفع مستوى الثقة بين أسر المفقودين، ممّا يساهم في تهيئة بيئة يمكن فيها للناس أن يعودوا إلى ديارهم.

ومركز الاستفسار عبر الإنترنت التابع للّجنة الدولية لشؤون المفقودين، الذي يمثّل نقطة الوصول إلى نظام إدارة بياناتها الموحّد، هو متوفّر باللغة العربية ومتاح بالكامل لأسر الأشخاص المفقودين من سوريا.

وقد تمخّض عن اجتماع مائدة مستديرة نظمته اللجنة الدولية لشؤون المفقودين في العام 2019 وضمّ ممثلين عن جمعيات أسر مفقودين ومنظمات مجتمع مدني عاملة على قضية الأشخاص المفقودين، عن التوصية بتشكيل مجموعة أساسية تمثّل أصحاب شأن سوريين وخبراء دوليين. فجرى إطلاق مجموعة تنسيق السياسات في أعقاب مؤتمر نظمته اللجنة الدولية لشؤون المفقودين في لاهاي في شباط/فبراير 2020. وتضمّ هذه المجموعة 27 عضواً، من بينهم جمعيات أسر سورية ومنظمات مجتمع مدني وحقوقيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، فضلاً عن مستشارين دوليين. وهي تهدف إلى وضع توصيات عامة وإطار سياسة لعملية سورية مستقبلية للبحث عن المفقودين، بما في ذلك تشريعات ومؤسسات محدّدة الغرض. واعتمدت مجموعة تنسيق السياسات عدة وثائق متعلّقة بالمفقودين في سوريا، بما في ذلك ميثاق أخلاقيات لجمع البيانات وتوثيقها، وتقرير استعراض دوري شامل يُقدَّم إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وورقة حول مبادئ دستورية مقترحة، وورقة حول تشريعات بشأن الأشخاص المفقودين، وورقة حول معالجة قضية المقابر الجماعية في سوريا.

Scroll to Top