الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا

تمثّلت الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا في القتل العمد والمنظم لأكثر من 8000 رجل وصبي من مسلمي البوسنة في تموز/يوليو 1995، في مدينة سريبرينيتشا وحولها. وقد حدث ذلك في المراحل الأخيرة من الصراع الذي دام ثلاث سنوات ونصف في البوسنة والهرسك، بعد أن سقطت المنطقتان اللتان كانت الأمم المتحدة قد أعلنتهما آمنتين، وهما سريبرينيتشا وجيبا، في أيدي القوات المسلحة الصربية البوسنية.

وقد غادر آلاف الرجال والفتيان سريبرينيتشا في 11 تموز/يوليو 1995 باتجاه مدينة توزلا التي كانت تخضع لسيطرة جيش البوسنة والهرسك. وفي الأيام التالية، نُصبت لهم الكمائن على نحو متكرر، وجرى فصلهم إلى مجموعات والقبض عليهم. فقُتل المئات منهم وتُركوا في الغابة؛ وسُجن كثيرون آخرون وأُعدموا. واحتجزت القوات الصربية الرجال والفتيان الذين كانوا قد بقيوا في سريبرينيتشا وأعدمتهم. ودُفنت الجثث في العديد من المقابر الجماعية في شرق البوسنة. 

واستخدم الجناة لاحقًا آليات ثقيلة لنقل الجثث من مقابر جماعية أولية إلى مواقع ثانوية كانت تبعد أحيانًا 50 كيلومترًا عن مواقع الإعدام الأصلية. وقد تسبّب هذا الجهد المنظّم لإخفاء أدلة الجرائم بتجزئة هذه الجثث. فكان يُعثَر عموماً على الرفات البشرية لفرادى ضحايا إبادة سريبرينيتشا الجماعية في مقابر جماعية مختلفة يتراوح عددها بين ثلاث وأربع مقابر، وغالبًا ما كانت تفصل بينها عدة كيلومترات.

 

وفي العام 2007، أصدرت محكمة العدل الدولية قرارًا تتفق فيه مع القرار الذي سبق أن أصدرته المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة وأشارت فيه إلى أن هذه الجرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. ودعمت اللجنة الدولية لشؤون المفقودين هذين القرارين واستخدمت تقنيات حمض نووي متقدمة لتحديد هوية ضحايا سريبرينيتشا. فمثّل استخدام اللجنة الدولية لشؤون المفقودين للحمض النووي المرةَ الأولى التي تُطبَّق فيها الطرق العلمية لتحديد هوية الأشخاص المفقودين على سيناريو واسع النطاق.

ووُضع نظام مختبر الحمض النووي التابع للّجنة الدولية لشؤون المفقودين على الإنترنت في العام 2001. وابتداء من حزيران/يونيو 2023، تلقّت هذه اللجنة 7745 بلاغًا عن أشخاص فُقدوا على أثر سقوط سريبرينيتشا وأماكن مجاورة. وقدّم أقاربهم 22337 عيّنة مرجعية حيوية لفحص الحمض النووي. وتوصّلت اللجنة، من خلال مقارنة عينات الحمض النووي المأخوذ من أفراد الأسر الناجين عيناتبعينات الحمض النووي المأخوذ من الرفات البشرية المستخرجة من المقابر السرية، إلى تحديد هوية 6981 ضحية. وحتى الآن، جرى تحديد هوية 7017 ضحية باستخدام طرائق تستند إلى الحمض النووي وغيرها من الطرائق التي لا تستند إلى الحمض النووي. وتقدّر اللجنة أنّ عدد الأشخاص الذين قُتلوا على أثر سقوط سريبرينيتشا يفوق الـ 8000 شخص بقليل.

 

وتقدّم اللجنة الدولية لشؤون المفقودين تقارير مطابقة الحمض النووي إلى السلطات في البوسنة والهرسك المكلّفة بإجراء تحقيقات رسمية بشأن الأشخاص المفقودين. وتُصدر هذه السلطات شهادات وفاة وترتّب لإعادة رفات الأشخاص المفقودين إلى أسرهم. وقُدم ما جمعته اللجنة الدولية لشؤون المفقودين من أدلّة حمض نووي وما يتّصل به من أدلّة أخرى أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في لاهاي وأمام محاكمات جرائم حرب في البوسنة والهرسك. وقد حوكِم عشرون فردًا في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة لارتكابهم جرائمَ تتعلّق بسريبرينيتشا، ومَثُل 57 فردًا أمام محكمة الدولة في البوسنة والهرسك. وصدرت أربعة أحكام بالسجن المؤبد و38 حكماً آخر، وذلك بالاستناد جزئيًا إلى أكبر جهد شهده التاريخ في إطار تحديد الهوية بواسطة الحمض النووي.

 

وعلى مدى السنوات الـ 25 الماضية، أفضى التقدّم في علم الطب الشرعي إلى زيادة القدرة التقنية على تحديد أماكن الأشخاص المفقودين بواسطة عدة طرائق منها تمييز الرفات البشرية من خلال فحص الحمض النووي. وقد اعتنق المجتمع العلمي هذه الطريقة في جميع أنحاء غرب البلقان بما في ذلك البوسنة والهرسك. وتواصل اللجنة الدولية لشؤون المفقودين معالجة عيّنات حمض نووي مأخوذة من هذه المنطقة. وهي تعمل، في الوقت نفسه، على تعزيز القدرة على فحص الحمض النووي في المختبرات المحلية، ممّا يضمن تطوير قدرات محلية مستدامة في مجال الطب الشرعي لغرض تحديد مصير الأشخاص الذين ما زالوا مفقودين.

وقد تمكّنت السلطات في البوسنة والهرسك، بمساعدة اللجنة الدولية لشؤون المفقودين والاستخدام الرائد للحمض النووي، من تحديد مصير 75 في المائة من الأشخاص الذين بلغ عددهم 30 ألفًا وفُقدوا خلال نزاع تسعينيات القرن العشرين. ولم يكن لهذه النسبة نظير في أي بلد آخر في مرحلة ما بعد الصراع. ولا يزال نحو 7500 شخص في عداد المفقودين، بمن فيهم نحو 1000 شخص مفقود على أثر الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا.

 

 

أمّا التحدي الرئيسي اليوم فيكمن في انخفاض حجم المعلومات الواردة عن مواقع مقابر سرية محتملة. ومرد ذلك انخفاضُ عدد الشهود الذين يمكنهم تقديم معلومات ذات صلة بعد انقضاء ثلاثة عقود من الزمن على النزاع.

Scroll to Top